الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

15

انوار الأصول

علم الأصول كما ينبغي ( 1 ) تاريخ علم الأصول وتطوّره في سطور : المعروف أنّ أوّل ما دوّن علم الأصول هو رسالة دوّنها الشّيخ المفيد رحمه الله وأوردها المحقّق الكراجكي رحمه الله في كنز فوائده « 1 » ، ولكن من الواضح أنّ هذا لا يعني أنّ هذا المحقّق رحمه الله هو المبتكر لهذا الفنّ ، بل إنّ الفكر الأصولي وقد وضِعت دعائمه وانعقدت نطفته منذ عصر الأئمّة عليهم السلام بل منذ عصر النبي صلى الله عليه وآله ، ذلك العصر الذي شهد ظهور الفقه ، وتحرك فيه فقهاء الامّة ليسترفدوا من الكتاب والسنّة - بل إجماع المسلمين ودليل العقل أحياناً - لاستنباط الأحكام الالهيّة فاحتاجوا إلى معرفة أدلّة الأحكام الفقهيّة والمنابع الأصلية لها والإحاطة الدقيقة بمنابعها الأساسيّة وحدودها وخصوصيّاتها على أحسن وجه ، حيث كانت أحكام الدِّين وما يحتاج إليه المكلّفون مبثوثة في الكتاب والسنّة ، ولا بدّ للعلماء وأصحاب الحديث وغيرهم من رسم خطوط عامّة لكشفها واستنباطها عن أدلّتها ، فكان اللازم معرفة هذه الأدلّة التي يستكشف منها أحكام الشرع وكيفية الاستدلال بها عليها . لكن لا إشكال في أنّ علم الأصول كان في تلك العصور مجرّد قواعد بسيطة جدّاً ، متفرّقة غير مدوّنة في كتاب خاصّ ، مأخوذة من كتاب اللَّه وسنّة النبي وأئمّة الهدى عليهم السلام وعُرف العقلاء ، ويلقيها العلماء في كلّ زمان إلى تلامذتهم ، فقد صرّح أئمّة أهل البيت عليهم السلام بأنّ « علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع » « 2 » . وقال الإمام الباقر عليه السلام لأبان بن تغلب : « اجلس في مسجد

--> ( 1 ) وقد طبعها ونشرها أخيراً المؤتمر العالمي لألفيّة الشّيخ المفيد رحمه الله ، فراجع ج 9 من مصنّفات الشّيخ المفيد رحمه الله . ( 2 ) وسائل الشيعة : ج 27 ، طبع آل البيت ، ص 62 عن الإمام الرضا عليه السلام ، وقد نقل نفس الحديث في بحار الأنوار : ج 2 ، ص 245 عن جامع البزنطي عن الإمام الرضا عليه السلام بتغيير يسير ، وهو « علينا إلقاء الأصول إليكم وعليكم التفرّع » .